الشنقيطي

292

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

إلى فساد النية ، ولكن بعد وقوع الواقع ، يقول الإمام : من قتل قتيلا . . . الخ . واحتج من قال : باستحقاق القاتل سلب المقتول مطلقا . بعموم الأدلة لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم . صرح بأن من قتل قتيلا فله سلبه ، ولم يخصص بشيء . والعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب ، كما علم في الأصول . واحتج مالك ، وأبو حنيفة ، ومن وافقهما بأدلة : منها : قوله صلى اللّه عليه وسلم في حديث سلمة بن الأكوع ، المتفق عليه « 1 » السابق ذكره ، له سلبه أجمع ؛ قالوا : فلو كان السلب مستحقا له بمجرد قتله لما احتاج إلى تكرير هذا القول . ومنها : حديث عبد الرحمن بن عوف ، المتفق عليه في قصة قتل معاذ بن عمرو بن الجموح ، ومعاذ ابن عفراء الأنصاريين لأبي جهل يوم بدر . فإن فيه « ثم انصرنا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأخبراه ، فقال : أيكما قتله ؟ ! ، فقال كل واحد منهما : أنا قتلته ، فقال هل مسحتما سيفيكما ؟ قالا : لا ، فنظر في السيفين ، فقال : كلاكما قتله ، وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح « 2 » ا ه . قالوا : فتصريحه صلى اللّه عليه وسلم في هذا الحديث ، المتفق عليه ، بأن كليهما قتله ، ثم تخصيص أحدهما بسلبه ، دون الآخر ، صريح في أن القاتل لا يستحق السلب ، إلا بقول الإمام : إنه له ، إذ لو كان استحقاقه له بمجرد القتل لما كان لمنع معاذ ابن عفراء وجه ، مع أن النبي صلى اللّه عليه وسلم صرح بأنه قتله مع معاذ بن عمرو ، ولجعله بينهما . ومنها : ما رواه الإمام أحمد « 3 » ، ومسلم « 4 » ، وأبو داود « 5 » ، عن عوف بن مالك قال : قتل رجل من حمير ، رجلا من العدو ، فأراد سلبه ، فمنعه خالد بن الوليد ، وكان واليا عليهم ، فأتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، عوف بن مالك فأخبره ؛ فقال لخالد : « ما منعك أن تعطيه سلبه ؟ » قال : استكثرته يا رسول اللّه ، قال : « ادفعه إليه » ، فمر خالد بعوف فجر بردائه ، ثم قال : هل أنجزت لك ما ذكرت لك من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ فاستغضب فقال : لا تعطه يا خالد ، لا تعطه يا خالد ، هل أنتم تاركون لي أمرائي ، إنما مثلكم ومثلهم ، كمثل رجل استرعى إبلا ، أو غنما فرعاها ، ثم تحين سقيها فأوردها حوضا فشرعت فيه ، فشربت صفوه ، وتركت كدره ، فصفوه لكم وكدره عليهم .

--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) أخرجه البخاري في الخمس حديث 3141 ، ومسلم في الجهاد والسير حديث 42 . ( 3 ) المسند 6 / 27 ، 28 . ( 4 ) كتاب الجهاد والسير حديث 43 . ( 5 ) كتاب الجهاد حديث 2720 .